نصر حامد أبو زيد
101
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
جملة واحدة ، ثم نزل بعد ذلك منجما في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين سنة أو خمس وعشرين سنة على حسب الاختلاف في مدة اقامته بمكة بعد النبوة . والقول الثاني : أنه نزل إلى السماء الدنيا في عشرين ليلة قدر من عشرين سنة ، وقيل : في ثلاث وعشرين ليلة قدر من ثلاث وعشرين سنة ، وقيل : في خمس وعشرين ليلة قدر من خمس وعشرين سنة ، في كل ليلة ما يقدّر اللّه سبحانه انزاله في كل السنة ، ثم ينزل بعد ذلك منجما في جميع السنة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . والقول الثالث : أنه ابتدئ انزاله في ليلة القدر ، ثم نزل بعد ذلك منجما في أوقات مختلفة من سائر الأوقات . والقول الأول : أشهر وأصح ، واليه ذهب الأكثرون ويؤيده ما رواه الحاكم في مستدركه عن ابن عباس قال : أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر ، ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة . قال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين . وأخرج النسائي في التفسير من جهة حسان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا ، فجعل جبريل ينزل به على النبي صلّى اللّه عليه وسلم . واسناده صحيح وحسان هو ابن أبي الأشرس ، وثّقه النسائي وغيره » . « 1 » ويمكن لمثل هذا التصور أن يمتد إلى ما شاء اللّه ، ذلك أنه يدخلنا في متاهة من الافتراضات دخل فيها علماء القرآن بالفعل ، وذلك إذا تساءلنا مثلا - كما تساءلوا - ما السر في إنزاله جملة إلى السماء ؟ وفي أي زمان نزل على وجه التحقيق ؟ وهل كان ضمن ما نزل من القرآن قوله تعالى : ( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) بصيغة الماضي التي تتعارض مع وجودها في النص قبل نزوله ؟ وإذا قلنا إنها أضيفت إلى النص - بعد نزوله - أليس معنى ذلك أنها ليست من القرآن الأزلي القديم الذي هو صفة الذات الإلهية ، وهذا يؤدي إلى القضاء على مفهوم « الصفة الأزلية » للكلام الإلهي ، ويهدم كل هذه التصورات من أساسها ؟ ومع ذلك كله فان النقاش يمتد ، والافتراضات الذهنية تتزايد : فان قيل : ما السر في انزاله جملة إلى السماء ؟ قيل : فيه تفخيم لأمره ، وأمر من نزل عليه ، وذلك باعلان سكان السماوات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل
--> ( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 228 - 229 . وليس الرأي الثاني ، الذي يرى أن قطعة كبيرة من النص كانت تتنزل كل سنة من اللوح إلى السماء الدنيا ، إلا تنويعا للرأي الأول . والاستناد إلى ابن عباس في تأكيد النزول جملة لا تنفي أن التصور كله ذهني ، بل لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إنه تصور أسطوري يستحق أن يدرس في مجال « المعتقدات الشعبية » .